
في تطور سياسي لافت يعكس تشابك الملفات الإقليمية والدولية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فجر السبت، أن الملف الأكثر أولوية في لقائه المرتقب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، في وقت أبدى فيه حذراً واضحاً إزاء خطوة الاعتراف بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، رغم إعلان إسرائيل اعترافها به كدولة مستقلة.
ويأتي هذا الموقف الأميركي في لحظة سياسية حساسة، تتداخل فيها حسابات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط مع معادلات النفوذ في القرن الإفريقي، ما يضع واشنطن أمام خيارات دقيقة ذات أبعاد استراتيجية وقانونية واسعة.
زيارة نتنياهو إلى واشنطن وملف غزة في الصدارة
ومن المقرر أن يزور بنيامين نتنياهو، يوم الاثنين، الولايات المتحدة، حيث سيعقد اجتماعاً مع الرئيس الأميركي في مدينة ميامي، وفق ما أورد موقع «أكسيوس». وتشير المعلومات إلى أن اللقاء سيركز بشكل أساسي على تفاصيل المرحلة المقبلة من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
وبحسب المصادر، تشمل النقاط المطروحة:
- توقيت بدء المرحلة الثانية من الانسحاب الإسرائيلي من القطاع
- آلية تشكيل القوة الدولية المحتملة للإشراف على الترتيبات الأمنية
- مستقبل سلاح حركة «حماس»
- ملامح إدارة «اليوم التالي» في غزة
ورغم إعلان ترمب، في منتصف أكتوبر الماضي، التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، إلا أن المفاوضات المتعلقة بالمرحلة اللاحقة لا تزال تعاني من جمود واضح، في ظل تباين الرؤى بين الأطراف المعنية بشأن الترتيبات السياسية والأمنية المستقبلية للقطاع.
موقف أميركي متحفظ من الاعتراف بأرض الصومال
وعلى صعيد آخر، تطرق الرئيس الأميركي إلى قضية الاعتراف بإقليم أرض الصومال، مؤكداً في تصريح لصحيفة «نيويورك بوست» أن هذا الملف يتطلب دراسة معمقة وتشاوراً مع إسرائيل قبل اتخاذ أي قرار.
وقال ترمب متسائلاً بنبرة عكست قدراً من التحفظ:
«هل يعرف أحد ما هو إقليم أرض الصومال؟»
وأضاف أن أي خطوة من هذا النوع لا تزال «قيد الدراسة»، مشدداً على أن إدارته تدرس العديد من الملفات قبل اتخاذ قرارات وصفها بأنها «دائماً ما تكون صحيحة».
ورغم عرض تقدمت به سلطات الإقليم الانفصالي يتضمن تخصيص أرض لإقامة قاعدة بحرية أميركية قرب مدخل البحر الأحمر، لم يُبدِ ترمب حماساً واضحاً للفكرة، مكتفياً بالإشارة إلى أنها مطروحة للنقاش دون التزام.
تحركات عسكرية أميركية تثير التكهنات
وكان الجنرال داجفين أندرسون، قائد القيادة الأميركية في إفريقيا (أفريكوم)، قد زار إقليم أرض الصومال الشهر الماضي، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها محاولة استكشافية لتعزيز النفوذ الأميركي في القرن الإفريقي، الأمر الذي رفع سقف التوقعات لدى قيادة الإقليم بشأن إمكانية الحصول على اعتراف أميركي مستقبلي.
إلا أن التصريحات الأخيرة لترمب أوضحت أن واشنطن لا تزال تتعامل بحذر مع هذا الملف، خشية تداعياته السياسية والقانونية على استقرار المنطقة.
إسرائيل تعترف وأزمة دبلوماسية تتصاعد
في المقابل، أعلن بنيامين نتنياهو، الجمعة، أن إسرائيل تعترف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، معتبراً أن هذه الخطوة تأتي «انسجاماً مع روح اتفاقيات أبراهام التي أُطلقت بمبادرة من الرئيس ترمب».
وجاء الإعلان عقب توقيع نتنياهو إعلاناً مشتركاً لـ«الاعتراف المتبادل» مع رئيس إقليم أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله، ما أشعل موجة واسعة من ردود الفعل الغاضبة على المستويين الإقليمي والدولي.
رفض عربي وإسلامي وإفريقي قاطع
وقوبلت الخطوة الإسرائيلية برفض عربي وإسلامي وإفريقي واسع، وسط تأكيد جماعي على سيادة الصومال ووحدة أراضيه.
وأكدت الحكومة الصومالية، في بيان رسمي، أن موقفها من وحدة البلاد «مطلق وغير قابل للتفاوض»، مشددة على رفضها القاطع لما وصفته بـ«الاعتداء المتعمد على سيادتها»، واعتبار الاعتراف الإسرائيلي خطوة «غير قانونية وباطلة بموجب القانون الدولي».
وأضاف البيان أن إقليم أرض الصومال:
- جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية
- لا يحق لأي طرف خارجي تغيير وضعه القانوني
- أي اعتراف أو ترتيب يهدف لتكريس الانفصال لا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني
الأهمية الجيوسياسية لإقليم أرض الصومال
ويقع إقليم أرض الصومال في موقع استراتيجي بالغ الحساسية في القرن الإفريقي، إذ يطل شمالاً على خليج عدن، ويجاور جيبوتي غرباً وإثيوبيا جنوباً، وتبلغ مساحته أكثر من 176 ألف كيلومتر مربع، مع خط ساحلي يمتد لنحو 800 كيلومتر على البحر الأحمر.
هذا الموقع يمنح الإقليم أهمية خاصة في معادلات:
- أمن الملاحة الدولية
- التجارة العالمية
- الصراع على النفوذ في البحر الأحمر
جذور الأزمة التاريخية
وتعود جذور قضية أرض الصومال إلى مرحلة ما قبل الوحدة مع الصومال، حيث كانت المنطقة تُعرف باسم «الصومال البريطاني»، قبل أن تدخل في اتحاد مع الصومال عقب الاستقلال.
إلا أن اتهامات بالتهميش السياسي والاقتصادي دفعت قيادات الإقليم لاحقاً إلى التمرد على الحكومة المركزية في مقديشو، وهي محاولات تطورت إلى حرب أهلية دامية في أواخر الثمانينيات، شهدت قصف مدينة هرجيسا وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا.
وعقب انهيار الدولة الصومالية عام 1991، أعلنت «الحركة الوطنية الصومالية» من طرف واحد انفصال الإقليم وتأسيس ما أسمته «جمهورية أرض الصومال»، دون أن تحظى باعتراف دولي واسع حتى اليوم.
خلاصة
بين ملف غزة وتعقيدات القرن الإفريقي، يبدو أن إدارة ترمب تحاول الموازنة بين المصالح الاستراتيجية والحسابات القانونية الدولية، في وقت تواصل فيه إسرائيل دفع ملفات خلافية قد تعيد رسم خرائط النفوذ وتفتح أبواب أزمات جديدة في منطقة شديدة الحساسية.
