
يُقدّر عدد دور النشر في المملكة العربية السعودية بحوالي 500 دار نشر تغطي مختلف الاتجاهات الثقافية، تتوزع بين القطاع الحكومي والخاص. ومع تزايد المنافسة في هذا المجال، أصبح تحقيق الجوائز الأدبية معياراً مهماً للجودة ومؤشراً على قدرة الدار على التوسع محلياً ودولياً، بما في ذلك الدخول إلى أسواق الترجمة والشراكات العالمية.
في هذا السياق، باتت الجوائز الثقافية أكثر من مجرد تكريم، فهي محرك للمبيعات وجسر للتواصل مع جمهور عالمي، خاصة إذا صاحبتها عمليات تحرير دقيقة ومتقنة ترفع من قيمة الأعمال المنشورة.
“رشم”: تجربة سعودية رائدة في النشر والجودة
حاورت صحيفة الشرق صالح الحمّاد، مؤسس “دار رشم”، إحدى أبرز التجارب السعودية في النشر والتوزيع، والتي استطاعت خلال أقل من ست سنوات الحصول على خمس جوائز محلية وعالمية، بالإضافة إلى الترشيحات للقوائم الطويلة والقصيرة لأهم الجوائز الأدبية.
سألنا الحمّاد عن سر تميز الدار رغم صغر عمرها، فأوضح:
“معنى ‘رشم’ هو الأثر الباقي، وهو ديدننا منذ البداية. نحرص على إصدار أعمال عالية الجودة قادرة على البقاء، بدءاً من إصدارنا الأول لرواية ‘حفرة إلى السماء’ التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة بوكر العربية.”
التحرير: مفتاح الجودة والتميز
يؤكد الحمّاد أن التحرير الجاد والمتقن هو العنصر الأهم في نجاح أي دار نشر:
- لا يقتصر العمل على التدقيق اللغوي، بل يشمل مراجعة البنية السردية، تطوير الشخصيات، الحوار، والمرجعيات التاريخية والاجتماعية.
- يتم التعاون مع الكاتب خطوة بخطوة، لضمان خروج العمل في أفضل صورة ممكنة.
- تعتمد الدار سياسة احترافية واعية تضع الجودة فوق كل اعتبار، حتى لو تطلب الأمر استثمار ميزانيات تصل إلى عشرة آلاف ريال لكل عمل قبل صدوره.
من الفكرة إلى الإصدار: رحلة النشر الاحترافية
يصف الحمّاد عملية النشر بأنها مشروع متكامل:
“النشر ليس مجرد إصدار كتاب، بل رحلة تبدأ من الفكرة وتنتهي بخطة تسويقية مدروسة، تستغرق عادة نحو 6 أشهر وقد تمتد إلى سنة ونصف، بحسب طبيعة العمل ومتطلباته.”
تسعى دار رشم إلى محاكاة النموذج البريطاني في التخطيط للنشر، حيث يتم تحديد موعد الإطلاق مسبقاً ضمن خطة تسويقية محكمة، لضمان وصول الكتاب إلى جمهوره المستهدف بأفضل صورة.
الجوائز الأدبية: أداة استثمارية لتعزيز المبيعات
حول أهمية الجوائز، يقول الحمّاد:
“الجوائز ليست الهدف النهائي، لكنها أداة استثمارية مهمة تضاعف المبيعات، كما حدث مع روايتي ‘خبز على طاولة الخال ميلاد’ و’تغريبة القافر’ الفائزتين بجائزة بوكر.”
إضافة إلى تعزيز المبيعات، تساهم الجوائز في رفع قيمة الدار لدى الكُتّاب والشركاء الدوليين، فتفتح الأبواب للترجمة والنشر المشترك مع دور نشر عالمية، كما توسع نطاق الشراكات المحلية، مثل التعاون مع هيئة الأفلام ومركز “إثراء”.
الترجمة: آليات دقيقة لضمان الجودة
تولي دار رشم اهتماماً بالغاً بالترجمة، عبر نظام إشرافي متكامل:
- مترجم متخصص لكل لغة، مثل الدكتورة إيمان معروف للإنجليزية، والدكتور محمد القاضي للفرنسية.
- مرحلة مراجعة وتحرير دقيقة لضمان المحافظة على روح العمل الأصلي وجودته الأدبية.
الرقمنة: تكامل بين الورقي والرقمي
على الرغم من أن الكتب الرقمية تشكل حوالي 15% من المبيعات، إلا أن الدار تستثمر فيها من خلال منصات مثل أمازون وأبجد، مع الحفاظ على النسخة الورقية التي لا يزال القرّاء يفضلونها.
تتيح النسخ الرقمية أدوات قياس دقيقة لتفاعل الجمهور مع المحتوى، مما يساعد على تقييم النجاح وتحديد الأسواق المستهدفة، لكنها مكمل للورقي وليس بديلاً عنه.
حضور الكتاب السعودي في الأسواق العالمية
يشير الحمّاد إلى أن الحضور السعودي في الأسواق العالمية يتصاعد تدريجياً، لكنه يحتاج إلى:
- زيادة حجم الطبعات
- تعزيز حملات التسويق
“الكاتب السعودي يمتلك كل المقومات للتألق عالمياً، لكن دور النشر غالباً ما تصدر الكتب بشكل خجول، مما يحد من فرص الترجمة والانفتاح على العالم.”
وتعمل دار رشم حالياً على ترجمة أعمال 25 كاتباً سعودياً إلى عدة لغات، بما في ذلك الإسبانية، الصينية، الكردية، الإنجليزية، والفرنسية، مما يعكس وجود طاقات سعودية قادرة على المنافسة العالمية.
المستقبل: استدامة الجودة والاعتراف الوطني
بالنسبة لطموحات الدار بعد النجاح الكبير في الجوائز، يقول الحمّاد:
“أعظم جائزة هي أن يحتفي بك الوطن. حلمنا الكبير هو تحقيق جائزة المؤسسات الثقافية ضمن الجوائز الثقافية الوطنية السعودية، فهذا شرف لكل ناشر سعودي.”

تعليق واحد
موفق