
شهد قطاع الخدمات في الولايات المتحدة تباطؤاً ملحوظاً خلال شهر سبتمبر، إذ كشف مسح معهد إدارة التوريد (ISM) عن انخفاض مؤشر مديري المشتريات غير الصناعي (PMI) إلى مستوى 50 نقطة، وهو خط التعادل الذي يفصل بين النمو والانكماش. ويعد هذا التراجع حاداً مقارنة بشهر أغسطس الذي سجل 52 نقطة، في حين كانت التوقعات الاقتصادية تشير إلى تراجع أقل عند 51.7 نقطة فقط.
ويكتسب هذا التقرير أهمية استثنائية في ظل تأجيل بيانات التوظيف الأميركية لشهر سبتمبر بسبب إغلاق جزئي للحكومة الفيدرالية نتيجة الخلافات حول التمويل، ما جعل الأسواق تترقب بشدة بيانات معهد إدارة التوريد كمرجع رئيسي لقياس أداء الاقتصاد.
تراجع الطلبات الجديدة وضعف الصادرات
أظهرت البيانات أن الطلبات الجديدة في قطاع الخدمات تراجعت إلى 50.4 نقطة بعد أن سجلت 56 نقطة في أغسطس، وهو ما يعكس ضعفاً في ثقة الشركات والمستهلكين على حد سواء. كما استمرت الطلبات المتراكمة وطلبات التصدير في مستويات ضعيفة، مما زاد من الضغوط على النمو الاقتصادي.
ويشكل قطاع الخدمات أكثر من ثلثي الاقتصاد الأميركي، وبالتالي فإن أي تباطؤ فيه يُعتبر مؤشراً جوهرياً على مستقبل الاقتصاد الكلي للولايات المتحدة.
تأثير الرسوم الجمركية والذكاء الاصطناعي على سوق العمل
أفاد التقرير بأن سوق العمل الأميركي يواجه تحديات متزايدة، إذ ظل مؤشر التوظيف في قطاع الخدمات في منطقة الانكماش للشهر الرابع على التوالي، رغم ارتفاع طفيف من 46.5 نقطة في أغسطس إلى 47.2 نقطة في سبتمبر.
ويرجع ضعف التوظيف إلى حالة عدم اليقين التي فرضتها الرسوم الجمركية على الواردات، إضافة إلى التغيرات التكنولوجية السريعة مثل صعود الذكاء الاصطناعي الذي يقلص الحاجة إلى بعض الوظائف التقليدية. وفي الوقت نفسه، ساهمت مداهمات الهجرة في تقليص المعروض من العمالة، مما أضعف ديناميكية السوق.
بيانات البطالة والوظائف الشاغرة
بحسب بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، ظل معدل البطالة مستقراً عند 4.3% خلال سبتمبر، إلا أن نسبة الوظائف الشاغرة انخفضت إلى 0.98 وظيفة لكل عاطل عن العمل في أغسطس، مقارنة بـ1.0 في يوليو، وهو ما يشير إلى تراجع نسبي في قدرة الشركات على خلق فرص عمل جديدة.
السياسة النقدية والاحتياطي الفيدرالي
يرى خبراء الاقتصاد أن ضعف سوق العمل قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى اتخاذ خطوات إضافية لدعم الاقتصاد، خصوصاً بعد أن قام بالفعل في سبتمبر بخفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق يتراوح بين 4% و4.25%.
ومع ذلك، تبقى الصورة غير واضحة، إذ لا يزال التضخم يمثل تحدياً كبيراً، خاصة مع استمرار تأثير الرسوم الجمركية على أسعار السلع. وهذا يجعل أي خفض إضافي في أسعار الفائدة محفوفاً بالمخاطر.
استمرار ضغوط التضخم في قطاع الخدمات
على الرغم من التباطؤ العام، أظهر التقرير أن أسعار الخدمات ارتفعت بشكل ملحوظ، حيث ارتفع المؤشر الخاص بالأسعار المدفوعة إلى 69.4 نقطة من 69.2 في أغسطس. ويعود ذلك إلى زيادة أسعار تذاكر الطيران، وارتفاع تكاليف الإقامة في المطاعم والفنادق والموتيلات، ما يعكس استمرار ضغوط التضخم في واحدة من أهم ركائز الاقتصاد الأميركي.
خلاصة
يكشف تقرير معهد إدارة التوريد لشهر سبتمبر عن صورة مزدوجة للاقتصاد الأميركي: تباطؤ في الطلب والتوظيف من جهة، وضغوط تضخمية متصاعدة من جهة أخرى. هذه المعطيات تضع الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة صعبة بين دعم النمو عبر خفض أسعار الفائدة وبين السيطرة على التضخم المتصاعد.
وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين التجاري والجيوسياسي، يبقى السؤال الأهم: هل سيتمكن الاقتصاد الأميركي من تجنب ركود واسع النطاق أم أن تباطؤ قطاع الخدمات سيكون بداية مرحلة انكماش أوسع؟

تعليق واحد
رائع