
في خطوة قضائية وُصفت بالمفصلية في مكافحة خطاب الكراهية والتنمر الإلكتروني، أدانت محكمة في باريس، يوم الاثنين الموافق 5 يناير، عشرة أشخاص بتهمة التنمر الإلكتروني والتشهير بالسيدة الأولى في فرنسا بريجيت ماكرون، بعد نشرهم ادعاءات كاذبة تزعم أنها امرأة متحولة جنسيًا وُلدت ذكرًا.
ادعاءات متكررة تطال الحياة الشخصية للسيدة الأولى
لطالما واجهت بريجيت ماكرون وزوجها، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، موجات متكررة من الشائعات والأكاذيب على الإنترنت، من بينها الادعاء بأنها وُلدت باسم جان ميشيل تروجنو، وهو في الحقيقة الاسم الحقيقي لشقيقها الأكبر.
كما شكّل فارق السن البالغ 24 عامًا بين الزوجين مادة للسخرية والهجوم لسنوات طويلة، وهو ما تجاهله الطرفان في البداية، قبل أن يقررا مؤخرًا اللجوء إلى القضاء لوضع حد لهذه الحملات المسيئة.
تفاصيل الإدانة والأحكام القضائية
أدانت المحكمة ثمانية رجال وامرأتين بعد ثبوت تورطهم في نشر تعليقات ومواد خبيثة تتعلق بجنس بريجيت ماكرون وميولها الجنسية، بل إن بعضهم ربط فارق العمر بينها وبين زوجها باتهامات خطيرة تتعلق بـ”الاعتداء الجنسي على الأطفال”.
وجاءت الأحكام متفاوتة، على النحو التالي:
- الحكم بالسجن 6 أشهر دون وقف التنفيذ بحق أحد المتهمين.
- أحكام بالسجن حتى 8 أشهر مع وقف التنفيذ بحق آخرين.
- فرض غرامات مالية متفاوتة.
- إلزام بعض المدانين بحضور دورات توعوية لمكافحة التحرش الإلكتروني.
- منع خمسة متهمين من استخدام منصات التواصل الاجتماعي التي استُخدمت في نشر التعليقات المسيئة.
رفض المحكمة لدعوى “السخرية”
دافع بعض المتهمين عن أنفسهم بالقول إن تعليقاتهم جاءت في إطار “السخرية” أو “حرية التعبير”، إلا أن المحكمة رفضت هذا الادعاء بشكل قاطع، مؤكدة أن السخرية لا تبرر التشهير أو نشر معلومات كاذبة تمس الكرامة الإنسانية.
وقال برتراند شولر (55 عامًا)، صاحب معرض فني وكاتب، إنه سيستأنف الحكم الصادر بحقه، واصفًا القرار بأنه “بغيض”، ومعتبرًا أنه يعكس – بحسب رأيه – تضييقًا على حرية التعبير في فرنسا.
أبعاد دولية وتوترات حول حرية التعبير
يأتي هذا الحكم في سياق توترات أوسع عبر الأطلسي بشأن تنظيم المحتوى الرقمي، حيث وصفت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الجهود الأوروبية للحد من التضليل والكراهية على الإنترنت بأنها شكل من أشكال “الرقابة”.
وفي الشهر الماضي، فرضت واشنطن حظر تأشيرات على خمسة أوروبيين ناشطين في مكافحة الكراهية والمعلومات المضللة، من بينهم المفوض الأوروبي السابق تيري بريتون.
ماذا قالت بريجيت ماكرون عن القضية؟
في مقابلة مؤثرة مع قناة TF1 مساء الأحد 4 يناير، تحدثت بريجيت ماكرون عن معاناتها المستمرة مع التنمر الإلكتروني، مؤكدة أن الهجمات ضدها “لا تبدو لها نهاية”.
وأشارت إلى أن بعض المهاجمين اخترقوا حتى حساباتها الإدارية وعدّلوا بيانات هويتها، معربة عن أسفها لتجاهلهم الأدلة القانونية القاطعة التي تثبت جنسها، وعلى رأسها شهادة الميلاد.
وقالت:
“شهادة الميلاد ليست أمرًا بسيطًا. هناك أب أو أم يذهبان لتسجيل ولادة طفل، ويُعلنان بوضوح من هو أو من هي”.
وأضافت أنها تأمل أن يكون موقفها قدوة للمراهقين الذين يتعرضون للتحرش عبر الإنترنت، قائلة:
“إذا لم أكن مثالًا يُحتذى به في مواجهة التنمر، فسيكون من الصعب مساعدة الآخرين”.
رسالة قضائية واضحة
يعكس هذا الحكم رسالة قوية من القضاء الفرنسي مفادها أن حرية التعبير لا تعني حرية الإساءة أو نشر الأكاذيب، وأن التنمر الإلكتروني – مهما كان مصدره أو مبرره – سيواجه بحزم قانوني، خاصة عندما يستهدف الكرامة الإنسانية والحياة الخاصة.
